محمد غازي عرابي
949
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها ، وقلب النبي مختوم بالحلم ، والصبر ، وهو على مكارم الأخلاق مفطور ، وعلى هذا فالقضاء السابق سابق بختمه على القلوب أيضا ، وعلى هذا أيضا فلا فضل لنبي أنه ولد نبيا ولم يجعله ربه جبارا عصيا كما قال سبحانه في يحيى ، وكما قال عيسى عليه السّلام : وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا ، فلو لا العناية الإلهية لكان من الممكن أن يحل موسى محل فرعون ، وأن يحل فرعون محل موسى ، ويتبادل كل منهما دور الآخر ، ولكنه حكم اللّه قضى الأمر على ما هو عليه ولا راد لقضاء اللّه ، والأنبياء والعارفون عارفون بهذا الفضل السابق ولهذا فقلوبهم خاشعة واجفة إذا ما ذكر القضاء والقدر ، وقد علموا سره . [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 26 ] وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ ( 26 ) [ الشورى : 26 ] لا بد لمن كانوا من أصحاب السعادة من الاستجابة لداعي الإيمان ، وكيف لا يستجيبون والداعية في القلب ، والقلب سابق على الفكر ، قاهر فوقه ، وهو أسه وأصله ؟ والقلب محل فعل الداعية ، واللّه خص فريقا من الناس بنور الإيمان فهداهم إليه . فالاستجابة إذن بدهية فطرية ، ولا بد لمن دعاه اللّه إليه من أن يلبيه ، إذ الأمر منه وإليه ، وعلمه سبحانه بهذا القضاء السابق والقدر اللاحق هو الذي جعله ينزل في أبي لهب سورة المسد التي حكمت على أبى لهب وامرأته بأنهما من أصحاب النار ، ولقد بحثنا هذه القضية سابقا في كتابنا النصوص في مصطلحات التصرف فقلنا أن لولا علم اللّه المسبق بهذا الأمر لكان من الممكن أن يسلم أبو لهب كما أسلم قبله كثيرون من مشركي قريش ومنهم عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص ، وقيل لو أن أبا لهب أسلم لكان إسلامه مناقضا لما قاله سبحانه فيه ، ولزعزع هذا الموقف الكتاب وحكم اللّه ، ولكن اللّه العليم بذات الصدور والمالك لها والقاهر فوقها هو الذي يقول ويحكم ما يريد ، حاشاه أن يجهل ذات أحد من العالمين . [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 27 ] وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ( 27 ) [ الشورى : 27 ] قسمة الأرزاق مثل قسمة الأسماء والصفات لها علاقة بالقضاء السابق حيث حدد سبحانه الرزق وجعله درجات ، فأعطى كل تعين ما أراد من الاسم والصفة الذي يقتضي وجود هذا الترتيب الهرمي ، قال سبحانه في موضع آخر : أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا .